الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

513

مختصر الامثل

يمد يده لقتل أخيه ، فهو يخاف اللَّه ويخشاه ، ولن يرتكب أو يلوث يده بمثل هذا الإثم ، حيث تقول الآية : « لَئِنْ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدَىَّ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ » . وأضاف هذا الأخ الصالح - مخاطباً أخاه الذي أراد أن يقتله - أنّه لا يريد أن يتحمل آثام الآخرين ، قائلًا له : « إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ » « 1 » . ( أي لأنّك إن نفذت تهديدك فستتحمل ذنوبي السابقة أيضاً ، لأنّك سلبت مني حق الحياة وعليك التعويض عن ذلك ، ولما كنت لا تمتلك عملًا صالحاً لتعوض به ، فما عليك إلّاأن تتحمل إثمي أيضاً ، وبديهي أنّك لو قبلت هذه المسؤولية الخطيرة فستكون حتماً من أهل النار ، لأنّ النار هي جزاء الظالمين ) كما تقول الآية : « فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزَاؤُا الظَّالِمِينَ » . فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 30 ) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) التّستر على الجريمة : تواصل هاتان الآيتان بقية الواقعة التي حصلت بين ابني آدم عليه السلام فتبيّن الآية الأولى منهما أنّ نفس قابيل هي التي دفعته إلى قتل أخيه فقتله ، حيث تقول : « فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ » . « طوع » : تأتي في الأصل من « الطاعة » لذلك يستدل من هذه العبارة على أنّ قلب « قابيل » بعد أن تقبل اللَّه قربان أخيه هابيل أخذت تعصف به الأحاسيس والمشاعر المتناقضة ، فمن جانب استعرت فيه نار الحسد وكانت تدفعه إلى الانتقام من أخيه « هابيل » ومن جانب آخر كانت عواطفه الإنسانية وشعوره الفطري بقبح الذنب والظلم والجور وقتل النفس ، يحولان دون قيامه بارتكاب الجريمة ، لكن نفسه الأمارة بالسوء تغلبت رويداً رويداً على مشاعره الرادعة فطوّعت ضميره الحي وكبلته بقيودها واعدته لقتل أخيه . وتشير الآية - في آخرها - إلى نتيجة عمل « قابيل » فتقول : « فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ » . فأيّ ضرر أكبر من أن يشتري الإنسان لنفسه عذاباً سيلازمه إلى يوم القيامة ويشمل

--> ( 1 ) « تبوء » : مشتقة من المصدر « بواء » أي « العودة » .